*هذه التدوينة مصنفه في معلقات المدونة
عودة جديدة بعد انقطاع طويل …
شغلت في الفترة السابقة , وانقطعت وكانت نفسي تراودني للكتابة بين الحين والآخر ولكني بالطبيعة الحال وللعهد الذي قطعته على نفسي أن لا أكتب إلا ما أرى فيه فائدة ومتعه للقراء الأعزاء .
اليوم أتوقف مع قصيدة رثاء للشاعر محمد قبازرد , وهو يرثي الفنان الكبير غانم الصالح رحمه الله
أن السامع للقصيدة من الوهلة الأولى يظن أنها من العهد العباسي القديم , ثم انك ستذهل إذا سمعت الجديد والحديث في النمط الشعري القديم , فهي قد جمعت الطراز القديم بمناعته ونفاسته و الحداثة في الموضوع والمصطلح , وهذا يدل على تفوق الشاعر وتمكنه من صنعته… الشعر , وهذا ما دفعنا وشجعنا للكتابة عن هذه القصيدة حيث انها تستحق المتابعة .
وفرنا لكم في هذه التدوينة … القصيدة مسموعة وبإنتاج جميل
الفيديو هنا على اليوتيوب
تناول الشاعر في قصيدة تاريخ الرجل ومواقف وتفاصيل دقيقة في حياته سنتقف على المميز البارز منها وإلا ان أردنا أن نعلق عليها فالكلام سيطول لأنها بحق قطعةٌ نفيسه .
يقول بعد ما قدم موضوعة بمقدمة حكمية ومدخل جميل …
كغانم الصالح الراضي بما قسمت *** قوس السقام له من مدنف النصل
وهنا تشبيه واستعارة مكنية تمثلت بتشبيه المرض بالنبال والصياد المفترس لبني البشر , وهو يصور لنا حال الفنان الراحل من ما عاناه من المرض .
ثم يقول :
الصابرِ الشاكرِ المحمودُ سيرته *** على لسان العدا – سيان – والأهل
وهنا يلاحظ القارئ الحذق , فطانه الشاعر في الوصف فالمحمودِ سيرته معطوفة على ما قبلها فهي مخفوضة < بالكسر> ولكنه جاء بها في حالة الرفع<بالضم> وهو جائز ويسمى انقطاع العطف ويؤدي ذلك بالمعنى الى التركيز والتشديد على هذه الصفة – المحمودُ سيرته – بالذات , فهو يريد أن لا تمُرّ على القارئ بدون أن يركز عليها فهو يشدد على هذا المعنى ليأكد لنا أن الفنان الراحل كان محمودَ السيرة حسنَ المعشر , ويشهد بذلك عداه وأهله وأصحابه فكون اتفاق العدا والصحب على شيء يدل على حتمية وجوده وهنا تبز براعة الشاعر في دقة الوصف .
خطت له ( لندنُ) تاريخ مولده *** واليوم (لندنُ) تمسي معرج الرجل
هنا أيضا مظهر أخر يدل على تمكن الشاعر , حيث انه لخص حياتة الفنان الراحل في بيت من الشعر ولو طلبنا من أي مُتَكَلمٍ أن يلخص حياة هذا الهرم الكبير في الفن لما أسعفه الكلام ولكن شاعرنا أجاد الوصف ولم ينقص من شيئا حيث بدأ بنا مجازًا عن بداية مولده في عالم الفن من مسرحية ( باي باي لندن ) وانتهاءً بالخاتمة – بالحقيقة- والوفاة في بريطانيا وبالتحديد في لندن .
وفت بالسبق أقــرانًا مشيت بهم *** مشي الهوينـــا وقد شـــدوا على مهـــل
حتى إذا استبأسوا من دركك إنتهجوا الـــ *** ـــتقليد كيما ينالوا النُجحَ بالحيــل
وأنت تختطــف الأضـــواء مــرتسمًا *** على شفــــاه البرايــــا بسمةَ الجــــذل
من كل دورٍ بطوليٍ سواك لو إبــــ *** ـــتغاه دورًا .. غدا <<سرجًـــا علــى جمـــل!>>
وهنا يصور صورة حقيقة من الوقاع كيف سما هذا الفنان إلى سماء الفن على هون وفات من كان من اقرانه رغم إنشغالهم في سباقه .
ثم وظف المثل الدارج ( يا شين السرج على البقر ) وظفه بصورة جميلة وخفيفه لا تخدش من فصاحة البيت وكان التوضيف في مكانه الصحيح , وافق كَبِدَ الفرس كما يقال .
جسدتها فتساوينا بها أنسًا *** رغم انقساماتنا في الفكرِ والمللِ
وفي هذا البيت وما قبله يذكر ويعدد الأدوار البطولية التي يعلبها الفنان وينقل صورة من الواقع أيضا , كيف أن الجمهور تقبل هذه الأدوار بإعجاب على أختلاف فكره وملله .. وما جاءت هذه المفردتان إعتباطًا بل فطانةً من الشاعر وتمكنه من أدوته وبراعة في السبك والمعنى حيث أنه الناس لا تختلف في الملل فقط ( شعية وسنة ….) بل حتى بالفكر ( إصلاحي – وسلفي – الاخوان – الشعبي _ القبائل …إلخ ) رغم كل هذا الانقسام فهم يتساوون بإعجابهم لهذا الفنان.
مرثيةٌ ما لضاديٍ يمر بها *** إلا تأبط غيظًا : ليت هذه لي
وهذا بيت من قطعة عالية المستوى إرتقا فيها الشاعر بالمستوى الشعري إلى مستوى الشعراء وأهل الأدب وبدأ بمنافستهم وابهارهم , وهذا البيت دليل على قدرته وحسن براعته .
سفلتَ جسمًا إلى قبرٍ علوتَ به *** ذكرًا وقدرًا فحزْتَ العلوَ من سفلِ
وهذا بيت من الابيات المخلد بقوة معناه وحسن سبكه وبلاغته , أحسن صنعه وأجاد نظمه .
الأبيات كثيرة التي تستحق أن نقف عليها لنتذوق حسنها وبراعة شاعرها إلا اننا آثرنا أن نُلَمِحَ عن بعضها ونترك القارئ يتلذذ بسماع القصيدة أكثر من مرة كحال من جاء للماء على عطش فيسقى جرعة إثر جرعة .
عبدالله الفيلكاوي