
إن في هذه الحياة التي نعيشها أناسًا أشحاء , ولو وزع شحّهم وبخلهم على قلبية لكفاها , إني والله افهم أن يبخل إنسانٌ بماله على غيره , فذاك ما خبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم «لَوْ كَانَ لابنِ آدمَ وَادِي نَخْلٍ تَمَنَّى مِثْلَهُ، ثُمَّ تَمَنَّى مِثْلَهُ حَتّى يَتَمَنَّى أَوْدِيَةً ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ» .
ولكن الذي لا أفهمه وأصل إلى حد الجنون من الغضب حينما أبصرُ شحيحاً ليس بماله فحسب إنما هو يشحُّ بمال غيره وعطايا الله على خلقه ويبذل كل ما وصلت إليه يداه ليمنع عنك الخير وكأنك تأخذ رزقه من حلقومه .ألم يعلم هذا المعتوه الشحيح أن الله هو مقسم الأرزاق وأن الله قادر على إشباع البشرية جمعاء كما أشبع قارون من قبل .ولكن الشحيح لا يهمه رزقه فقط , إن كل همه أن لا يرى أحد يرزق خير منه ولا حتى اقل منه لا مالاً ولا حتى مكانةً في قلوب الناس .
ثم إني استغرب من بعض التافهين الذين إذا ما أعطوا مسؤوليةً في مكانٍ ما , فتراه يتجبر ويطغى كـأنه فرعون أهل زمانه , فتراه يحدث الناس من علو وبطرفْ العين ويأمر ينهى كأنه مسؤولٌ على عبيدٍ في قريش .
إن هذا التافه المجرد من كل قيم الأخلاق يحسب أن <الكاريزما > والمهابة تصنع بهذه الترهات من الأفعال الطائشة المضحكة .
ولكنني أرى أن العلوَ علو النفوس وقدرها في القلوب , إن العظماء أصحاب القمم السامقة كل ما تقرب منهم أحد من البشر نزلوا من تلك القمم العالية إلى مستوى هذا الشخص وتجاذبوا الحديث معه وأدخلوا السرور على النفس فبمجرد انصراف هذا الشخص تجدهم يعتلونَ قممهم السامقة وقد زادت علوًا وارتفاعاً ومكاناً , وذلك العلو يقاس في نفوس الناس , وكذلك علمنا النبي القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم ( من تواضع لله رفعه ) هذه هي الرفعة الحقيقة عند الله وفي قلوب الناس .
إنني لا أتكلم من منظور شرعي فحسب بل وحتى إداريًا أنظر كل كتب التنمية البشرية والعلاقات العامة والإدارة فإنك لن تجد قولًا يدلك على النجاح وكسب ثقة الآخرين وكسب الشعبية والمحبة , لن تجد قولًا خلاف ما ذكرنا وإن النجاح كما قلنا يقاس بنفوس الناس وإلا فهو رادٌ على شخصه بذاته محبط .
إني أكتب هذه الخاطرة لما اعتلج في صدري من مقابلة أحد المسؤولين في مكانٍ ما , والله إني لأقول في نفسي إنه أصغر حتى من أن يعلوا بنفسه , ولو حق له أن يقدر نفسه الساذجة لرأى أنه أشبه ببرغوثْ إلى جانب القمم العالية والأخلاق الراقية والناس الناجحين , ولحق لنا أن نقول أنه لا يرى بالعين المجردة من أعلى تلك القمم إلا بمجهرٍ ومكبر يكبر لنا صغر حجمه وتفاهته , وأن هشة ً من هذا العلو لكفيلة بالقضاء عليه , ولكن طيب نفسٍ وحسن خلقٍ يرفع الناس العالية عن هذه الترهات .
وأنني أذكر هذا الساذج بقول الإمام الشافعي رحمه الله الذي ينطبق عليه في البيت الثاني حيث قال :
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر *** على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفســه *** إلى طبقات الجوّ وهو وضيع
أستغفر الله من كل ذنب , أستغفر الله من شر داء الشح , وأستغفر الله من خيلاء المتكبرين التافهين .
وإن لمن العار على الإنسان الضعيف أن يتعالى ويتكبر فهو أشد تفاهةً وسفالةً, من القوي المتكبر , أعوذ بالله من شر “عائلٍ مستكبر” .
إن شر من تعاديه أديب فإن له لسانًا عضبًا أشد فتكًا من الصمصام في معركة , وأشد ألما ووقعًا في القلوب من الطعان في الحناجر . وذلك أقول :
إنــــي لأنظــر نملـة متعــاليـــة *** وضعيفةُ الأطراف غير مبالية
تيـــهٌ<1> وكبــرٌ ظـاهـرٌ وتبجـحٌ *** ترنو إلى القمم العظام العالية
ثم تبدأ هذه النملة باستعراض قدراتها :
يا أيها الضخم الكبير ألا ارتجف *** من قوة النمل الصغير العاتيهْ
واحـذر حذاري أن تعكر صفونا *** وإذا مررت فلا تقـف قــداميهْ
وإذا أمرت فجب وأنـت مطـاوعٌ *** وإذا نطقت فصخ بإذنٍ صاغية
تـرجـوا مـودتنا وتخـشـى عذابنا *** أولم تحدثك السنون المــاضية
عـن تيهنــا وفخــارنـا وفعــالنــا *** أمجاد فخــرٍ للورى أمجــاديه
فرعون يخشى أن وقفت أمامــه *** قارون لا يرقى إلى سلطانية
فتبسم العمــلاق وهو محـــــاذر *** أن لا يدوس النملةً المتعالية
زهو الصغــار وكبرهم عــــارُ على *** قدم الكبار بأن تـدوس الباليـة
إن التكبــــر شيمـــــةٌ مذمومــــةٌ *** وبها يدل على النفوس الواطية
<1> تـيه:
التِّـيهُ: الصَّلَفُ والكِبْرُ. وقد تَاه يَتِـيه تَـيْهَاً: تكبر.